الغربة والاغتراب عن الوطن مهما تعددت أسبابهما وتنوعت غاياتهما ثقيلان على المرء شديدا الوطأة على النفس، إن كان طوعاً للدراسة وتلقي المعرفة أو البحث عن مورد رزق أو سعياً لتحقيق الذات وفتح آفاق جديدة لحياة أفضل، أو كان قسراً وعنوة بالتهجير والترحيل للعيش في المنافي خارج أوطانهم بظروف قاسية ومعاناة صعبة يتجرعون فيها متاهات الحياة الجديدة، وصعوبة الانتماء والتأقلم في بلاد هم غرباء عنها ويعيشون بعيدين عن معتقدات سكانها وبيئتهم وعاداتهم وتقاليدهم ( فالغربة كربة).
إن ترك المرء لمكان ولادته والأرض التي قضى في ربوعها سني عمره ليعيش بعيداً عنها وعن أهله وذويه وذكرياته يماثل الشجرة التي تنتزع من أرضها لتغرس في أرض وتربة جديدة فيصبح مآلها في مهب الريح. فالمغترب مهما كانت دوافع اغترابه يزداد شوقاً وحنيناً لوطنه، وكلما طال أمد اغترابه تنامت هواجسه لوعة وحنيناً للعودة ليطأ تربته، ويتفيأ تحت أشجاره، ويرتوي من مياهه، ويتنسم بهوائه. كما تهفو روحه - وفؤاده كالطير في السماء يبحث عن ضالته - شوقاً للعودة والرجوع لجذوره لتجديد ذاكرة طفولته وشبابه وهو يتمشى في شوارع بلدته، والاستراحة في بيته، وتحقيق حلمه بالجلوس والتحدث والاستقرار مع أهله وأحبائه وأصدقائه، فتسكن نفسه من ألم الفراق ووجع الاغتراب، وهي تجربة لا يدركها إلا من كابدها وتجرع مرارتها.
عرفت ظاهرة التنقل والترحال والهجرة منذ القدم طلباًً للكلأ والعشب وتأمين لقمة العيش والبحث عن الأمن والأمان والاستقرار. إلا أن الخمسمائة عام الأخيرة شهدت اتساعاً وتميزاً واضحاً في انتقال وتنقل الأفراد والجماعات وحراك الشعوب لأسباب يعود معظمها لأغراض سياسية واقتصادية واجتماعية ودينية وعنصرية، وتفاقمت نتيجة العولمة وسهولة الانتقال وثورة الاتصالات والمعلومات، حتى بات أكثر من 2 % من سكان العالم يعيشون خارج أوطانهم.
ويعد الشعب الفلسطيني من أكثر شعوب الأرض تعرضاً لموجات التهجير والغربة، وذلك للأهمية الجغرافية والتاريخية لفلسطين ومكانتها المقدسة والتي كانت سبباً لكثرة غزاتها والطامعين فيها. وزاد من ذلك تعرض الشعب الفلسطيني للعديد من صنوف البطش والقمع والاضطهاد من محتليه، كان آخرها نكبة الاحتلال الصهيوني لفلسطين عام 1948 التي شهدت واحدة من أكبر التهجيرات القسرية في التاريخ الحديث، والتي طرد ورحل نتيجتها نحو ثلاثة أرباع مليون فلسطيني انتزعوا وشردوا من أرضهم - تحت سياسة وممارسات نشر الخوف والشائعات لبث الفزع والهلع في قلوبهم، والتهديد بقتلهم وإبادتهم الجماعية - فتشتتوا لاجئين في بلدان المنطقة وتفرقوا في طول الكرة الأرضية وعرضها محرومين من أبسط حقوقهم الإنسانية، بانتظار استرداد حقوقهم بالعودة إلى وطنهم. تلتها نكسة عام 1967 وتداعياتها والتي نزح نتيجتها ما يزيد عن 300 ألف فلسطيني. هذا عدا عن عشرات آلاف المبعدين الذين أبعدهم الاحتلال أو تم منعهم من العودة وإبقائهم خارج وطنهم. أما الفلسطينيين الذين بقوا في فلسطين، فقد ضيق الاحتلال الخناق عليهم وحاصرهم وشدد قبضته عليهم، فهام العديد منهم على وجوهم مغتربين في أصقاع العالم هرباً من قهر الاحتلال والحصار الاقتصادي والقمع السياسي وبحثاً عن الرزق وعيش حياة مستقرة كريمة.
اغتراب المقدسيين الداخلي
عانى المقدسيون كغيرهم من مئات آلاف الفلسطينيين من الهجرة والنزوح والإبعاد. فقد تجاوز عدد المرحلين عنوة من غربي المدينة عام 1948 ستين ألف لاجئ، كما تجاوز عدد الذين نزحوا عام 1967 م 35 ألف نازح، هذا بخلاف عشرات الآلاف الذين سحب الاحتلال هوياتهم، وأبعدهم وطردهم أو منعهم من العودة قسراً إلى مدينتهم، أو ممن اضطروا للهجرة لصعوبة أوضاعهم الاقتصادية ومعاناتهم الحياتية اليومية. هذا عدا عن الذين يخطط لاقتلاعهم من جذورهم ومقدسيتهم وأماكن وجودهم بعد الانتهاء من بناء الجدار الفاصل، والذين يناهز عددهم المائة وعشرين ألف نسمة.
لقد استمرت اسرائيل منذ فرض سيطرتها على الجزء المتبقي من المدينة عام 1967 وضمها إلى كيانها في تنفيذ مخططاته لتهويد المدينة الجغرافي والعمراني، والضغط والتنكر لأبسط حقوق المقدسيين الشرعية والإنسانية والمدنية، وعمل بشتى الوسائل والطرق العسكرية والأمنية والقضائية والإدارية على زعزعة قيمهم وعقائدهم الدينية والروحية، وإضعاف بنيتهم وشخصيتهم وهويتهم الوطنية، واستنزاف مواردهم الاقتصادية والمالية، ومحاولة تمزيقهم اجتماعياً وثقافياً وسلخهم عن بيئتهم وتراثهم، لكسر إرادتهم وتقويض صمودهم ودفعهم إلى الهجرة والرحيل.
وإمعاناً من اسرائيل في إجراءات تهويد المدينة وتهجير أهلها، مضى قدماً يوماً بعد يوم بتطويق المدينة وعزلها وخنقها واستمرار محاصرة أهلها ببناء المستوطنات والأطواق والأسيجة والجدران لفصلها جغرافياً عن باقي مدن الضفة الغربية وفصلها حتى عن القرى والبلدات المحيطة بها، لمنع أي تواصل معها وقطع الجسور بين المقدسيين وامتداداتهم مع أهلهم وبني جلدتهم، حتى أضحت المدينة سجناً كبيراً لأهلها بعد حصارهم بمئات الحواجز والسواتر والمعابر ونقاط التفتيش وإغلاق الطرق المؤدية للقدس، فمنعت بذلك الدخول إليها إلا لمن يحملون تصاريح خاصة تسمح بوصولهم للقدس، وعرقلت وصول حتى من يحملون هوية القدس إلى أماكن العبادة.
وأمام هذه الهجمة الشرسة بات المقدسيون يستشعرون بغربتين: غربة بعضهم خارج وطنهم، واغتراب داخلي لمعاناتهم ومعاملتهم كأنهم غرباء في مدينتهم ووطنهم وبين أهلهم وذويهم، وهو ما يعتبر أقسى أنواع الغربة وأكثرها وقعاً على النفس وأشدها إيلاماً وتأثيراً على المرء.
كيف لا ! وهم يتوجسون خشية مما يخبؤه الغد لهم. فهم مهددون في كل لحظة بالاستيلاء على أرضهم، ومصادرة منازلهم أو إخلائهم منها، وطردهم وإبعادهم عن مدينتهم، وحتى منع الترخيص ببناء المزيد من مساكنهم، فمستقبلهم أضحى مرهوناً بأيدي غيرهم.
كيف لا ! وهم يعيشون في مدينتهم ومدينة أجدادهم بلا جنسية ولا مواطنة ولا حرية للمرور والوصول للصلاة في أماكن عبادتهم ويقيمون فيها غرباء ببطاقة إقامة، مثلهم في ذلك مثل أي أجنبي، فلا يستطيعون التزاور أو التحرك في وطنهم ومدينتهم إلا وهم يحملون هوية لإبرازها للتعريف بأنفسهم، وذكر مكان إقامتهم وسبب تحركهم وتنقلهم، ولا يستطيعون القيام بأي نشاط إلا بإذن مسبق.
كيف لا ! وهم يرون أبناءهم يساقون للاعتقال الإداري وتجرح كرامتهم وكبرياؤهم نواباً ومثقفين ومناضلين، ولا تقدم لهم يد المساعدة والعون إلا على استحياء وخجل، حتى وصل الأمر إلى عدم مناقشة الإفراج عنهم والبحث في مصير المعتقلين والأسرى في السجون الإسرائيلية.
كيف لا ! والمفاوضون يؤجلون بحث موضوع القدس على طاولة المفاوضات، مما أفسح المجال لعمل الجرافات الإسرائيلية واستجلاب المستوطنين للمدينة كما تشاء وتريد إسرائيل، وأدى إلى تكميم أفواه أهلها للمطالبة بحقوقهم، والتمتع بحرية تقرير مصيرهم وانتخاباتهم وأحوالهم الشخصية.
كيف لا ! وهم يستشعرون بأنهم مغيبون عما يخطط لواقعهم، ويعانون من عدم وضوح أي أفق سياسي لمستقبلهم وتعتيم وضبابية عما يدور لمدينتهم، فباتوا يتلقفون أخبارها من نشرات الأخبار وأقلام الصحفيين وتحليل المنظرين في الإذاعات وقنوات التلفزة الفضائية، مما زاد من شعورهم بعدم الأمان وإحساسهم بأجواء الاضطراب والغموض، واتساع الانقسام والتفرق الداخلي.
كيف لا !وهم يعانون من ممارسات الاحتلال التي تعمل على أسرلة كل ما يرتبط ويتعلق بحياتهم ومعيشتهم، حيث جرى إغلاق معظم المؤسسات ومراكز الخدمات الوطنية والجمعيات الخيرية فتم ربط معاملاتهم القضائية والإدارية والمالية واحتياجاتهم التعليمية وخدماتهم الصحية وغيرها من البنى التحتية كلياً بالدوائر الإسرائيلية.
كيف لا ! وهم يرون تغافل دبلوماسية ومواقف إعلام الأنظمة العربية والإسلامية والدولية، فتعتم الحديث عن أوضاعهم وتراجع أولوية قضيتهم التي تاهت في دهاليز النسيان وأروقة الجامعة العربية والأمم المتحدة وأدراج المحافل ومنظمات حقوق الإنسان الدولية.
كيف لا ! وهم يراقبون الاستهانة والتهاون والتنازل التدريجي عن حقوقهم الدينية وأماكنهم المقدسة والسياسية والاقتصادية والمدنية بدعوى حساسية الوضع ولتجنب المواجهة وتبني النظرة الواقعية والتكتيك، بينما الاحتلال يطمس معالم المدينة ويهودها شبراً بعد شبر.
لقد أدت الممارسات القمعية الاسرائيلية وإرجاء بحث موضوع المدينة، وعدم الاهتمام المحلي والعربي والإسلامي والعالمي الكافي بمساندة صمود أهلها، إلى إحباط المقدسين الذين زاد حقدهم وكراهيتهم وغضبهم لممارسات الاحتلال التعسفية، وإلى فرز متغيرات وغربة داخلية وظواهر سلبية مجتمعية أهم سماتها غياب الوازع الديني، وضعف الهوية والانتماء الوطني، وتدهور النظام التعليمي، وانفلات القيم الأخلاقية، وتفكك الروابط والعلاقات العائلية والاجتماعية، وإلى ظهور ملامح النزعات الفردية والمادية والانعزال والانطواء الذاتي، وضعف المسئولية الاجتماعية والمشاركة الجماعية، وإلى انتشار البطالة وزيادة الفساد والرشوة وتفشي الانحراف والانحلال وتعاطي المخدرات والسلوكيات الشاذة والآفات الاجتماعية.
هذه الظواهر السلبية هي متغيرات جديدة على المجتمع المقدسي تدعو إلى القلق والتشاؤم مع سعي البعض للتأقلم معها. لذا ينبغي على السلطة الوطنية، والمؤسسات الدينية والمدنية والتربوية والثقافية والمراكز البحثية، والمثقفين ورجال الفكر والخير والإصلاح، التعاون لإيقاف هذا الإعصار المدمر الزاحف للإجهاض على ما تبقى من قيمهم وتقاليدهم وأعرافهم قبل فوات الأوان





