شقة وعروسة يا رب

كاتب الموضوع:

 د.عزت المجد سليم


التفاحة السوداء

كاتب الموضوع:

 د.عزتالمجد سليم


عودة الوعي ومراجعة الخطيئة الأساسية في أوسلو

كاتب الموضوع:

 ماجد كيالي


اللغة العربية ومستقبل نحْوهِا.................إلى أين؟؟

كاتب الموضوع:

 كارم فخري قديح


لهذا اكره السياسة.....

كاتب الموضوع:

 د.عزتالمجد سليم


 

 

 
 
 

> دور المرأه في الجهاد


 دور المرأه في الجهاد



  بتاريخ : 6 / 12 / 2009 , وقت: 01:20

بسم الله الرحمن الرحيم

دور المرأة في الجهاد

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، محمد بن عبد الله النبي الأمي الأمين، الذي بعثه ربه رحمة وهادياُ للعالمين، ورضي الله عن كل الصحابة أجمعين. أما بعد

فإن الجهاد هو دليل على حيوية الأمة وشبابها، ومدى قدرتها على مجابهة كل ما يمكن أن يعرض لها طمع الطامعين، أو اعتداء المعتدين.

والجهاد في الإسلام هو دليل على واقعية هذا الدين الذي ارتضاه الله سبحانه وتعالى لعباده، والذي أراد له أن يكون الدين الذي تختتم به الديانات، والشريعة التي تحكم نظام حياة البشر إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها.

والواقع الذي نعيشه يثبت صحة ذلك، فالمستعرض لتاريخ البشرية لا يجد ما يدل على أن حقبة زمنية ما كانت تخلو من الحروب أو الصراعات بين الأمم والجمعات المختلفة، فطباع البشر لا تخلو من الحدة، ونفوسهم مطوية على الطمع والأنانية وحب الاستعلاء.

حقيقة الجهاد:

          الجهاد في الإسلام مصطلح له مدلوله الخاص وهو: "بدل الوسع في القتال في سبيل الله مباشرة، أو معاونة بمال، أو رأي، أو تكثير جماعة المسلمين".

          والجهاد بهذا المعنى يختلف عن القتال؛ حيث القتال أعم من الجهاد، فليس كل قتال جهاد، وإنما القتال الذي يكون في سبيل الله، أي الذي يقصد به المقاتل أنه يحمل السلاح طاعة لله، وامتثالاً لأمره، وإعلاء لكلمته، وحماية لدينه، وتحت رايته، حيث يقول جل وعلا: (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (سورة البقرة: الآية190)، أما من حمل سلاحه من أجل مصلحة خاصة يبتغيها، سواء كانت هذه المصلحة خاصة به، أو بطائفة ينتمي إليها كنصرة مذهب ما، أو عقيدة من عقائد أهل الأرض، أو من أجل الشهرة والرياسة، أو من إرهاب الناس وترويعهم، والاعتداء على أموالهم وممتلكاتهم، أو من أجل استعبادهم واستعمارهم، فكل هذا لا يعتبر جهاداً، وإنما في عرف الشرع قتال لا شيء فيه من الجهاد.

مكانة الجهاد في الإسلام:

          شرع الجهاد في الإسلام لحماية عقيدة المسلمين والدفاع عنها، ثم لحمامية المجتمع المسلم المحافظة على أرضه والذود عنها، وصدّ كل من تسول له نفسه سلب هذا المجتمع أمنه واستقراره، ثم للمحافظة على إنجازات هذا المجتمع المادية والفكرية.

          وكذلك ترجع أهمية الجهاد إلى أن المجتمع المسلم مكلف بدعوة الناس جميعاً إلى الله تعالى، حيث جاء في القرآن الكريم ما يفيد ذلك في قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) (سورة آل عمران: الآية 110) فالدعوة بهذا النص هي عبء يشترك فيه جميع المسلمين لا استثناء؛ وهذا ما يفيده قوله تعالى "أخرجت للناس" أي أن أمة الإسلام لم تكن مهبط الوحي ليكون ما جاء به مقصوراً عليها فحسب، بل لا بد من أن تقوم بتبليغ ما جاء به من تشريعات وأحكام للناس جميعاً.

          يقول الله تعالى: (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) (سورة المائدة: من الآية67) ويقول: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) (سورة النحل: الآية 125).

          كما جاء في الحديث الشري عن النبي r ( أعطيت خمساً لم يعطهن نبي قبلي: وعدّ منها وكان النبي يبعث في قومه خاصة، وبعثت للناس كافة).

          إذاُ فالمسلمون مكلفون بدعوة الناس إلى الله تعالى، ولكن هذا التكليف ما كان في يوم من الأيام يصادف طريقاً سهلاً، ولا آذاناً مصغية، ولا قلوباً مفتوحة، وأشتُهر أن الدعوة الإسلامية مذ كانت في مهدها لاقت ما لاقت من المعوقات والعقبات التي وضعت في طريقها من أجل منع وصولها إلى الناس، واستُهرت معاناة الرسول r عند قيامه بنشر هذه الدعوة وخصوصاً من قرابته وأبناء عشيرته، ثم إن مجريات التاريخ كلها تدل على كل دعوة إلى الحق والخير كانت تصادف أعداء لدّاً، لا يألون جهدهم في صدها والهجوم عليها ومنع وصولها إلى الناس، ومحاولة لجمها في مهدها، فأي دعوة على الإطلاق لم تخلُ من الحرب عليها وعلى من يدعون بها، ومن هذا القبيل كانت الدعوة إلى الإسلام (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ) (سورة آل عمران: الآية 184).

          ومن هنا كان لزاماً على المسلمين أن يكونوا متحفزين دائماً لقتال من وقفوا في وجه ما كلفوا به من دعوة الناس إلى الله تعالى، وأن تكون أسلحتهم مشهورة دائماً للقاء كل من يفكر في منعهم من أداء هذا التكليف الذي لا ينحصر بزمان أو مكان، فالمسلم مأمور بالدعوة إلى الله تعالى في كل وقت، وفي كل مكان، بحسب استطاعته وإمكانياته، (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلا وُسْعَهَا) (سورة البقرة: من الآية286) وعلى هذا فالمسلم يتوقع الهجوم عليه ومنعه من نشر دعوة ربه في كل وقت وكل حين، وما الواقع الذي نعيشه إلا خير شاهد على ذلك.

المرأة جزء من المجتمع المسلم:

          إذا كان عبء الدعوة كما أسلفنا تكليفاً عاماً لجميع المسلمين، يسألون عنه جميعاً، فإن ذلك يدل على أن المرأة المسلمة هي الأخرى مكلفة بذلك، وهي مسؤولة عنه أمام الله تعالى، لها نصيبها في نشر دعوة الإسلام على الملأ، حيث المرأة في الإسلام جزء من المجتمع المسلم، تشارك في الأعباء الاجتماعية على اختلاف أنواعها، كما أنها مسؤولة أمام الله تعالى بدرجة تساوي مسؤولية الرجل، فالإسلام لم يفرّق بين الرجل والمرأة، بل كلاهما على قدم المساواة في الأعباء والتكاليف، وكل يسأل عمّا كلف به، يقول الله تعالى: (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) (سورة آل عمران: من الآية195)، ويقول سبحانه وتعالى: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً) (سورة النساء: الآية 124) زيقزل: (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (سورة النحل: الآية 97)، ويقول: (مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ) (سورة غافر: الآية 40).

          فكل هذه النصوص وغيرها كثير يدل على أن المرأة تجزى بعملها تماماً كما هو الحال بالنسبة للرجل، ومن هنا وطالما أنها مكلفة بالدعوة إلى الله تعالى فهي معرضة لأن تحمل السلاح من كفاحاً من أجل هذه الدعوة، ودفاعاً عن نفسها وعن دينها عند قيامها بهذا التكليف.

حكم جهاد المرأة في الفقه الإسلامي:

          يتقرر حكم جهاد المرأة في الفقه الإسلامي بحسب طبيعة الحرب؛ فالحرب قد تكون دفاعية حيث يكون الأعداء قد اقتحموا بلاد المسلمين، أو حاصروها، وقد تكون هجومية وقائية، أو احترازية، حيث يكون المسلمون هم البادئون بالحرب وقاية، أو تقع الحرب بعيداً عن بلاد المسلمين، ولكل حالة من هاتين الحالتين حكمها الخاص بها.

أولاً: حكم جهاد المرأة حال كون العدو قد حاصر بلاد المسلمين أو اقتحمها، أو احتل جزء منها:

          لقد أجمع الفقهاء على أن العدو إذا دخل بلداً من بلاد المسلمين فإن الجهاد يكون فرض عين على الجميع بما فيهم النساء اللاتي يجب عليهن أن تخرجن للقاء العدو بغير إذن أزواجهان.

          ودليل ذلك قوله تعالى: (انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (سورة التوبة: الآية 41).

فالآية نص عام في ضرورة الخروج إلى الجهاد، وهي خطاب للذكور والإناث حيث لم تخصص جنس دون جنس.

وكذلك قوله تعالى: (مَا كَانَ لأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَأُونَ مَوْطِئاً يُغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) (سورة التوبة: الآية 120) والمرأة في ذلك الوقت هي من أهل المدينة، وهذا الوصف ينطبق عليها، لذا فإنها تدخل ضمن سياق هذا النص العام، في ضرورة عدم التخلف عن الغزو مع الرسول r .

ثانياً: حكم جهاد المرأة حال كون الحرب بعيدة عن بلاد المسلمين:

          في هذه الحالة لا يكون القتال فرض عين على النساء؛ لعدم الضرورة لذلك، ولكن هذا لا يعني أن النساء يحرم عليهن أن يخرجن مع الجيش للجهاد، بل إن ذلك جائز لهن، بدليل خروج الكثير من النساء للمشاركة في جيوش النبي r كما سنذكر ذلك فيما بعد إنشاء الله.

          ولكن يختلف الحال هنا من حيث إنه لا يجوز للمرأة أن تخرج للعزو في هذه الحالة إلا بإذن زوجها ورضاه، وإن لم يأذن لها فلا يجوز لها ذلك؛ لأن الأصل استقرار المرأة في بيتها، قياماً على مصلحة زوجها وأولادها، وبالتالي لا يجوز لها الخروج منه إلا بإذن الزوج، حتى وإن كان الخروج للجهاد.

          هذا وقد قلنا في الحالة الأولى أن المرأة تخرج للجهاد دون إذن زوجها لأن الحالة حالة ضرورة، والضرورة تقدر بقدرها، فإذا زال الخطر عن بلاد المسلمين، وأصبح الرجال فيهم الكفاية للجهاد، تنتهي حالة الضرورة المبيحة لخروج المرأة بدون إذن زوجها، وبالتالي فلا خروج بعد ذلك إلا بإذنه.

نماذج من جهاد المرأة المسلمة عبر التاريخ:

          البحث في هذا الموضوع أمر ليس بالسهل؛ ذلك لقلة المصادر التي تؤرخ لجهاد المرأة بصورة خاصة، ومن هنا فإنني سأحاول تتبع الوقائع التاريخية بقدر استطاعتي لعلي أتمكّن من الوفاء بحق هذا الموضوع.

          لقد عرف تاريخ العرب قبل الإسلام مشاركة المرأة في الحرب مع الرجال، ولم يكن هذا أمراً غريباً عليهم، ورد في كتب السير أن المشركين حينما توجهوا بجيشهم إلى موقعة بدر اصطحبوا معهم النساء من أجل شحذ عزيمة الجنود ومنعهم من التخاذل أو الفرار، وفي هذه الموقعة قالت هند قولتها المشهورة: نحن بنات طارق                               نمشي على النمارق

                   إن تقبلوا نعانق                                وإن تدبروا نفارق

                                           فراقاُ غير وامق

          أما في الإسلام فإن دور المرأة في الجهاد كان بارزاً في أول عهد الدولة الإسلامية بالحروب، حيث كانت النساء تشارك في جيوش النبي r وعلى طول امتداد الدولة الإسلامية من بعده بطرق مختلفة، فقد كانت تحمل السلاح وتقاتل كما يفعل الرجال، وكانت تقوم بالأعمال المساندة؛ كالتمريض، وعلاج الجرحي، ونقل الماء والسلاح، وإعداد الطعام للجيش، وحراسة الأسرى، وغير ذلك من الأعمال التي تستلزمها الحرب.

          ولكن قبل أن أعرض لمناذج النساء المجاهدات، أحب أن أضع بين يدي القارئ الكريم هذا النص البليغ، الذي يظهر مدى تشوّف المرأة المسلمة للجهاد، ومعرفتها لشرفه وفضله، وغبطتها للرجال الذين فضلهم الله بهذه الفريضة على حدّ قولها، تلك المرأة هي أسماء بنت يزيد بن السكن خطيبة النساء، حيث جاءت إلى رسول الله r نائبة عن النساء تكلمه في أمر الجهاد قائلة: "بأبي أنت وأمي يا رسول الله، أنا وافدة النساء إليك، إن قد بعثك إلى الرجال والنساء كافة، فآمنا بك وبإلهك، وإنا معشر النساء محصورات مقصورات، قواعد بيوتكم، ومَقْضَى شهواتكم، وحاملات أولادكم، وإنكم معشر الرجال فُضلتم علينا بالجُمع والجَماعات، وعيادة المرضى، وشهود الجنائز، والحج بعد الحج، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله، وأن الرجل إذا خرج حاجاً أو معتمراً أو مجاهداً حفظنا لكم أموالكم، وغزلنا أثوابكم، وربينا لكم أولادكم، أفلا نشارككم في هذا الأجر والخير؟"

          "فالتفت النبي r إلى أصحابه بوجهه كله ثم قال: هل سمعتم مقالة امرأة قط أحسن من مقالتها في أمر دينها من هذه؟"

          "فقالوا يا رسول الله: ما ظننا أن امرأة تهتدي إلى مثل هذا!!"

          "فالتفت النبي r إليها فقال: افهمي أيتها المرأة، وأعلمي من خلفك من النساء، أن حسن تبعل المرأة لزوجها [يعني حسن عشرتها له] وطلبها مرضاته، واتباعها موافقته، يعدل ذلك كله، فانصرفت المرأة وهي تهلل"

          وفي غزوة بدر في السنة الثانية للهجرة لوحظ غياب المرأة المسلمة عنها، ذلك بسبب ظروف المعركة الكبرى الأولى في ذلك الوقت، حيث استعجل النبي r الخروج حتى يتمكّن من اللحوق بقافلة أبي سفيان، لدرجة أن بعض الرجال لم يستطع التجهز لهذه المعركة ناهيك عن النساء، غير أن أم ورقة سألت النبي r الخروج مع الجيش لمداواة الجرح، ولعل الله يهدي إليها شهادة، فلم يأذن لها النبي r للسبب الذي ذكرته، مع قوله لها أن الله مهدٍ إليك شهادة.

          ولكن غياب المرأة هذا عن غزوة بدرلم يكن غياباُ كلياً، صحيح أنها بجسدها لم تكن حاضرة المعركة، لكنها حضرت بأبنائها، وزوجها، وأبيها، وأخوتها، وقرابتها من الرجال، وخير مثال على ذلك الصحابية الجليلة عفراء بنت عبيد بن ثعلبة التي بعثت إلى المعركة بسبعة أبناء هم فلذات كبدها، نال الشهادة اثنان منهم.

          وفي يوم أحد كانت السيدة عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها وعن أبيها، وأم سليم زوجتي النبي r وأم سليط وحمنة بنت حجش، رضي الله عنهن أجمعين، كنّ يسقين العطشي ويداوين الجرحي يوم أحد.

          جاء في الحديث عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "كان رسول الله r يغزو بأم سليم ونسوة من الأنصار، ليسقين الماء ويداوين الجرحي".

          وقال ابن مسعود: "إن النساء كن يوم أحد خلف المسلمين يجهزن على جرحى المشركين".

          ولما اختلف الحال، وخان النصر المؤمنين جاءت صفية بنت عبد المطلب شاهرة سيفها تضرب به في وجه القوم قائلة انهزمتم عن رسول الله، قاصدة بث روح الجهاد فيهم، ومقوية عزائمهم.

          ولم تكن أم أيمن بأقل منها شأن في هذا المجال، حيث كانت تحثزا التراب على بعض المنهزمين وتقول: هاك المغزل فاغزل به.

          وكانت المرأة ممن ثبت عند انهزام الرجال يوم أحد، حيث دافعت عن الرسول في وسط الشدة والبأس، كأشجع الرجال، وأثبت الفرسان، ومن هؤلاء أم عمارة نسيبة بنت كعب، التي قال فيها رسول الله r "ما التفت يميناً ولا شمالاً إلا وأنا أراها تقاتل دوني".

          وفي عزوة المريسيع أقرع الرسول r بين نسائه ليتعرف على من ستخرج معه في هذه المرة كما كان يفعل في كل أسفاره وغزواته r ، فخرجت قرعة عائشة رضي الله عنها، وخرجت معه في هذه الغزوة، ورغم أن المؤرخين لم يذكروا شيئاً عن النساء اللاتي كن في هذه المعركة، إلا أن ذكرهم لخروج عائشة يمكن أن نستدل به على وجود غيرها من النساء، إذ من غير المرجح أن تكون هي المرأة الوحيدة في الجيش كله.

          أما في غزوة الخندق سنة خمس للهجرة فقد اشتغل رسول الله r وكل القادرين من الرجال في حفر الخندق، ومن ثم حصار بني قريظة، ثم حصار الأحزاب للمدينة وكل ذلك استمر حوالي شهرين تقريباً.

          وفي هذه الحالة والمشركون يحاصرون المدينة كان لا بد للمرأة أن تكون مشاركة في هذا الجهاد بشكل فاعل، ومما قامت به النساء في هذه الغزوة:

1 ـ    القيام بالأعمال التي كان يقوم بها الرجال المنشغلون مع الرسول r بحفر الخندق ومجابهة الأعداء.

2 ـ       تزويد الجيش بالمؤن.

3 ـ    الدفاع عن مؤخرة المسلمين.

4 ـ    مراقبة الأوضاع الداخلية وتفقد أحوال المجاهدين.

ومن الأسماء التي برزت في هذه الغزوة ابنة بشر بن سعد، وزوجة جابر بن عبد الله، التي كان لكل واحدة منهن كرامة خاضة في إعداد طعام الجند في ذلك الوقت، ومنهم صفية بنت عبد المطلب التي قتلت يهودياً كان يطوف بأحد الحصون التي لجأ إليها بعض النساء والصبيان، وألقت برأسه إلى من كانوا معه أسفل حصن ففروا جميعاً ظناً منهم أن الحصن يحرسه الرجال، قتلته خشية أن يدل بني قومه على نساء المسلمين وصبيانهم فيغيرون عليهم، ورجال المسلمين مشغولون بالقتال.

          وهكذا كان الحال في غزوة بني قريظة،وغزوة الحديبية، وفتح مكة، وغزوة حنين، كان للمسلمات حضور منقطع النظير يشهد على اجتهادهن في القيام بما يمكن أن يقمن به من أعمال الجهاد مع الجيش المسلم، سواء بالقتال مباشرة، أو بالمساندة، أو بالمشورة وغير ذلك.

جهاد المرأة في عهد الخلفاء الراشدين والفتوحات الإسلامية:

          لما انتهى أبو بكر من حروب الردة، بعث إلى المسلمين في كل البلاد أن يقدموا إليه من أجل تجهيز الجيوش للفتواحات التي كانت بعد ذلك، وكان أو هذه الجيوش هو جيش الشام، وبالفعل فقد بدأ يتوافد على أبي بكر المسلمون من كل مكان، ومن ضمن من جاءوا قبيلة حمير من اليمن، فما رآهم أبو بكر تهلل وقال: "ألم نكن نتحدث ونقول إذا أقبلت حمير تحمل أولادها ومعها نساؤها نصر الله المؤمن وخان الكافر، فأبشروا أيها المسلمون قد جاءكم النصر".

          وليس حمير هي وحدها التي جاءت بأبنائها ونسائها، فإن غالب من قدم على أبي بكر وقتئذ من هذه الوفود كانوا يحملون معهم ذراريهم من النساء والأولاد، حيث جاء عن المواردي قوله أن حروب المسلمين في عهد الفتوحات الإسلامية ما كانت تخلو من النساء والذراري.

          ويذكر الطبري حجم النساء في غزو العراق، فيذكر أنه حضرت المعركة حوالي سبعمائة امرأة من (النَخَع) وألف امرأة من (بُجيلة)، وهذا إن دل فإنه يدل على حجم مشاركة النساء في هذه الحروب التي امتدت سنين طويلة، ووصلت إلى ما وصلت إليه من أرجاء المعمورة.

مشاركة المرأة في الجهاد في زمن انحسار الدولة الإسلامية:

          إن هذا العهد ليس كالعهود السابقة عليه، حيث شهد انحساراً للدولة الإسلامية، وأصبح المسلمون غير قادرين لأسباب كثيرة عن الدفاع عن دولة الإسلام، ناهيك عن القيام بالغزو من أجل نشر دينهم كما هو الحال في السابق، ومعلوم أنه في هذه الفترة تراجعت العلوم، كما تراجع كل شيء في حياة الدولة، وبتراجع العلوم انعدمت المصادر التي تؤرخ لجهاد المرأة في هذه الفترة، أو قل ضعفت وتراجعت، لذا لم تسعفني قراءتي واضطلاعي على حال الجهاد النسائي في هذه الفترة التي تعثر فيها جهاد الرجال بشكل عام، ولكن هذا لا يعني أنه لم يكن للمرأة أي دور في هذه المرحلة المظلمة من تاريخ المسلمين.

جهاد المرأة في العصر الحديث والحاضر:

          أما في الصر الحديث الذي تميّزت بداياته باستعمار الدول الإسلامية والعربية، فقد شهد صنوفاً كثيرة من جهاد المرأة المسلمة، وخصوصاً في مقاومتها للمحتل الذي يحتل أرضها، ويسلب خيراتها، فكانت تشارك مع الرجال في شتى صنوف المقاومة، وكذلك كان لها مشاركات في حروب التحرير جنباً إلى جنب مع الرجل.

          ومن ألأمثلة على ذلك الحرب التي خاضها الشعب الليبي بقيادة المجاهد عمر المختار، وكيف كان للمرأة الليبية فيها دور بارز على طوله هذه الحرب.

          نشر على موقع "المؤتمر" على شبكة الإنترنت موضوع بعنوان "جداتنا" يتحدث عن عدد كبير من النساء الليبيات اللاتي عايشن حركة التحرر الليبي من الاستعمار الإيطالي، من لدن جهاد عمر المختار إلى أن تحررت ليبيا من هذا الاستعمار، وهن يؤرخن لهذه الفترة من حياة بلادهن، ومن ضمن ما ورد عن هؤلاء النساء وصفهن لدور المرأة الليبية في الجهاد، ذلك الدور الذي كان يتمثل في حل السلاح والجهاد مباشرة، ثم تهريب الأسلحة ونقلها للمجاهدين، ثم تمريض المجاهدين وإعداد الطعام لهم، وسقيم، وغسل ملابسهم، وغير ذلك من الأعمال المساندة للمجاهدين.

          هذا الدور الذي قامت به المرأة الليبية لم يكن بدعاً في تاريخ المرأة المسلمة في هذا العصر، بل إن كل حركات التحرر العربية قد استوعبت مثل هذا الدور النسائي.

          وأما عن دور المرأة المعاصرة، فلا نستطيع في الحكاية عنه إلا الحديث عن المرأة الفلسطينية، باعتبارها النموذج المعاصر والفريد للمرأة المجاهدة في الوقت الراهن.

          فمنذ أن بدأت انتفاضة المساجد في عام 1987م، وحتى يومنا هذا، والمرأة تضرب كل يوم أروع الأمثلة في البطولة والاستشهاد دفاعاً عن وطنها وعرضها ودينها وأبنائها.

فقد مارست المرأة في هذه المرحلة كل صنوف النضال الوطني، بدءاً من مقارعة العدو الصهيوني بالحجارة السلاح الأكثر انتشاراً في هذه الانتفاضة، ومروراً بعراك جنود الاحتلال بالأيدي ووجهاً لوجه، وكذلك قيامها بمنع جنود الاحتلال من اعتقال المقاومين عن طريق تمويه الأمر عليهم والتصدي لهم وجهاً لوجه، بل وعن طريق تخليص كثير من شباب الانتفاضة من أيدي جنود الاحتلال، وانتهاء بالعمليات الاستشهادية التي قامت بها العديد من النساء الفلسطينيات من أمثال: وفاء إدريس و دارين أبو عسشة، وآيات الأخرس، وعندليب طقاطقة، وهبة دراغمة، وهنادي تيسير جرادات، ريم الرياشي.

كل هذه أسماء لنساء مجاهدات علمت الواحدة منهن العالم كيف يكون الاستشاهد في سبيل حرية الوطن، والمرحلة لم تنتهِ بعد، والجهاد لم ينتهِ بعد.

هذه نماذج من دور المرأة المسلمة في الجهاد على مرّ تاريخ بلاد الإسلام، لم يكن الأمر من السهل الحديث عنه أو عرضه، فهو يحتاج إلى مطولات وليس مقال مختصر كهذا، ولكني أرجو أن يكون الله قد وفقني لرسم ولو صورة مبسطة عن هذا الدور الريادي للمرأة المسلمة.

وقبل أن أختتم حديثي أحب أن أنبه الباحثين والمتخصصين في التاريخ أن هذا الموضع المتعلق بشريحة هامة في المجتمعات الإسلامية لم ينل حقه من الدراسة والتأصيل والتأريخ، وهذا واجب يجب أن يؤدى حفظاً لحق من قمن بالتضحية بأنفسهن من أجل أجيال قادمة.

د. ماهر أحمد السوسي

المدرس بكلية الشريعة الجامعة الإسلامية غزة.

 

 
 
 

اضف تعليقطباعة الموضوععودة

 
 

المزيد من العناوين:

 

 
ماذا تتوقع للحوارت الفلسطينيه الفلسطينيه التي تجري بالقاهره؟
النجاح
الفشل
لا ادري

 

 
   .::.  كتائب القسّام تنفّذ عمليّة اقتحامٍ لمستوطنة "إيلي سيناي" و تقتل مستوطناّ صهيونياً هو عالم نوويّ صهيونيّ ، و تجرح آخر ، و قد استشهد منفّذ العمليّة جهاد حمدي أحمد المصري (17 عاماً) من سكان بيت لاهيا .
   .::.  أجهزة أمن السلطة الفلسطينية تشنّ حملة ملاحقة و اعتقالات بحقّ كوادر و قادة حماس و الجهاد الإسلاميّ في الضفة الغربية و قطاع غزة ، و اعتُقِل خلالها ما لا يقلّ عن 85 فلسطينياً .
   .::.  عمليّة استشهاديّة تستهدف حافلة صهيونية في مدينة حيفا المحتلة ، أدّت إلى مصرع 12 صهيونياً و جرح 40 آخرين ، و منفّذ العمليّة هو الشهيد ماهر محي الدين كمال حبيشة من سكان مدينة نابلس ، و هو من مجاهدي كتائب القسّام
   .::.  قوات الاحتلال تفتح النار بشكلٍ مفاجئ على العمّال الفلسطينيين المتجمّعين عند معبر "إيرز" الصهيوني منتظرين عبورهم إلى أماكن أعمالهم ، ممّا أدّى إلى استشهاد أحدهم و إصابة 11 آخرين بجروح

 
 

انضم للقائمة البريدية لتحصل على كل ما هو جديد من موقعنا

الاسم

البريد